ابراهيم بن عمر البقاعي
704
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الإحاطة الكاملة ، وأشار بأداة الاستعلاء إلى الإخلاص ونفي الإشراك فقال : عَلَيْهِ أي لكون اللّه قد حرمه فصار نجس العين أو المعنى ، فصار مخبثا للبدن والنفس مما ذكر عليه غير اسمه سبحانه بما دل عليه من تسميته فسقا ، وتفسير الفسق في آية أخرى بما أهل به لغير اللّه وكذا ما كان في معناه مما مات أو كان حراما بغير ذلك ، واسمه تعالى منزه عن أن يذكر على غير الحلال ، فإن ذكر عليه كان ملاعبا فلم يطهره ، وأما ما كان حلالا ولم يذكر عليه اسم اللّه ولا غيره فهو حلال - كما في الصحيح عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قالوا : يا رسول اللّه ! إن هنا أقواما حديث عهد بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم اللّه أم لا ! قال : « اذكروا أنتم اسم اللّه وكلوا » « 1 » قال البغوي : ولو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعا من أكلها كالشك في أصل الذبح - انتهى . ولما كان التقدير : فإنه خبيث في نفسه مخبث ، عطف عليه قوله : وَإِنَّهُ أي الأكل منه أو هو نفسه لكونه السبب لَفِسْقٌ فجعله نفس الفسق - وهو الخروج عما ينبغي إلى ما لا ينبغي - لأنه عريق جدا في كونه سببه لما تأصل عندهم من أمره وانتشر من شره ، وهذا دليل على ما أولت به لأن النسيان ليس بسبب الفسق ، والذي تركت التسمية عليه نسيانا ليس بفسق ، والناسي ليس بفاسق - كما قاله البخاري ، وإلى ذلك الإشارة بما رواه عن عائشة رضي اللّه عنها أن قوما قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن قوما يأتونّا باللحم ، لا ندري أذكر اسم اللّه عليه أم لا ! فقال : سموا عليه أنتم وكلوه ، قالت : وكانوا حديثي عهد بالكفر « 2 » - انتهى . فهذا كله يدل على أن المراد إنما هو كونه مما يحل ذبيحته ، وليس المراد اشتراط التسمية بالفعل . ولما كانت الشبه ربما زلزلت ثابت العقائد ، قال محذرا منها : وَإِنَّ الشَّياطِينَ أي أخابث المردة من الجن والإنس البعيدين من الخير المهيئين للشر المحترقين باللعنة من مردة الجن والإنس لَيُوحُونَ أي يوسوسون وسوسة بالغة سريعة إِلى أَوْلِيائِهِمْ أي المقاربين لهم في الطباع المهيئين لقبول كلامهم لِيُجادِلُوكُمْ أي ليفتلوكم عما أمركم به بأن يقولوا لكم : ما قتله اللّه أحق بالأكل مما قتلتموه أنتم وجوارحكم - ونحو ذلك ، وأهل الحرم لا ينبغي أن يقفوا في غيره ، والغريب لا ينبغي أن يساويهم في الطواف في ثيابه ، والنذر للأصنام كالنذر للكعبة ، ونحو هذا من خرافاتهم التي بنوا أمرهم فيها على الهوى الذي هم معترفون بأنه مضل مضر ، ومبالغون في الذم باتباعه والميل إليه ، ويكفي في هدم جميع شبههم إجمالا أن صاحب الدين ومالك الملك منع منها .
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 5507 من حديث عائشة . ( 2 ) هو الحديث المتقدم .